الخطيب الشربيني
231
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عائشة : « تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهمّ إني أشكو إليك ، فما برحت حتى نزل بهذه الآية « قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها » « 1 » الآية . وروي « أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها ، قال عروة : وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال لها : أنت عليّ كظهر أمي وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية ، فسألت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت : إنّ أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ فلما علا سني ونثرت بطني أي : كثر ولدي جعلني عليه كأمّه فقال لها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : حرمت عليه فقالت : والله ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت صحبتي ونفضت له بطني ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما آراك إلا حرمت عليه أو أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا قال لها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : حرمت عليه ، هتفت وقالت : أشكو إلى الله فاقتي وشدّة حالي وإنّ لي صبية صغارا إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهمّ أني أشكو إليك ، فأنزل على لسان نبيك وكان هذا أوّل ظهار في الإسلام ، فأنزل الله تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها الآية فأرسل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى زوجها وقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : الشيطان فهل من رخصة ؟ فقال : نعم وقرأ عليه الأربع آيات فقال له : هل تستطيع العتق ؟ فقال لا والله فقال : هل تستطيع الصوم ؟ فقال لا والله إني إن أخطأني أن آكل في اليوم مرّة أو مرتين لكل صبري ولظننت أني أموت قال : فأطعم ستين مسكينا ، قال : ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة فأعانه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بخمسة عشر صاعا ، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكينا » « 2 » . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لها : مريه أن يعتق رقبة فقالت : أيّ رقبة والله لا يجد رقبة وما له خادم غيري ، فقال : مريه أن يصوم شهرين ، فقالت : والله ما يقدر على ذلك إنه يشرب في اليوم كذا كذا مرّة ، فقال : مريه فليطعم ستين مسكينا ، فقالت : أنّى له ذلك » « 3 » وَتَشْتَكِي أي : تتعمد بتلك المجادلة الشكوى منتهية إِلَى اللَّهِ أي : سؤال الملك الأعظم الرحمة الذي أحاط بكل شيء علما . فإن قيل : ما معنى قد في قوله تعالى : قَدْ سَمِعَ أجيب : بأنّ معناها التوقع لأنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله تعالى مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها لصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله إنّ الله تعالى يكشف كربتها وَاللَّهُ أي : والحال أنّ الذي وسعت رحمته كلّ شيء ، لأنّ له الأمر كله يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه ابن ماجة في الطلاق باب 25 . ( 2 ) أخرجه ابن حبان في سننه حديث 4279 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 411 ، والطبراني في المعجم الكبير 1 / 196 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 179 ، 180 ، والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 131 .